منتدى المعارف التجانية

* تغزوت * ولاية الوادي * الجزائر *
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 شعر التوسل عند القاضي عياض دراسة لغوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مراد كمال



عدد المساهمات : 122
نقاط : 0
تاريخ التسجيل : 01/03/2008

مُساهمةموضوع: شعر التوسل عند القاضي عياض دراسة لغوية   الأحد 28 ديسمبر 2008 - 19:01

القاضي عياض أبو الفضل بن موسى، اليحصبي ولد بسبتة سنة (476 هـ - 1083 م)(1) أصل أهله من الأندلس، ثم أنهم انتقلوا إلى المغرب، ليستقروا بسبتة، درس في قرطبة على نفر كثير من المحدثين، والفقهاء، تتلمذ على أحد الصوفية المشهورين: أبو بكر بن العربي (ت 543 هـ)، كان له دور مهم في التصوف بالغرب الإسلامي، رحل مع والده إلي المشرق، ولقي الإمام الغزالي، ودرس عليه، فأدخل التصوف المشرقي إلى الأندلس، كما أخذ على صوفي آخر من غرب الأندلس، والمعروفين بالصلاح، والتقوى، والزهد، وهو محمد بن خميس(2) قال عياض: "سمعت منه بعضه من لفظه، وجالسته كثيرا، واخبرني كتاب الرعاية للحارث المحاسبي"(3). تولى القضاء في سبتة مدة طويلة، ثم انتقل إلى قضاء غرناطة سنة (532 هـ - 1137 م)، ثم عاد إلى قضاء سبتة(4). دخل عياض في طاعة المرابطين، فأكرموه، ورفعوا منزلته، ووقف في وجه الموحدين بقلمه، فكتب مؤلفه الشفا.
في تعريف حقوق المصطفى، لإعادة الاعتبار للنبوة، والدعوة إلى تكريمها معرفا بحقوق الرسول صلى الله عليه وسلم، والجزاء الواجب في حق المتجرئين عليها، ومما يؤكد هذا أن عياضا كان يكتب الشفا سنة خمسمائة واثنين وعشرين للهجرة (522 هـ) وهي السنة التي احتدم الصراع بين المرابطين، والموحدين، وبسيفه فقاد سكان سبتة وتزعم الثورة على الموحدين(5)، والتي انتهت بعد هزيمتين بنفيه إلى مراكش حيث توفي في سنة 544 هـ - 1149 م(6). وله مصنفات عديدة(7).
القاضي عياض أحد رجالات المغرب، الموسومين بالولاية، والصلاح، والمشهورين بالتصوف، شديد التعصب للسنة، والتمسك بها، كان إمام وقته في علوم شتى، يقول عنه المقري: "لا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف إعجاز القران، أن تلك نفحات ربانية، ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام، وحلا بدرها النظيم"(Cool، لولاه كما قيل لما ذكر المغرب(9)، وما أحسن قول من قال فيه:

ظلموا عياضا وهو يحلــم عنهم *** والظلم بين العالمين قديـم
جعلوه مكان الراء عينا في اسمه *** كي يكتمـوه وأنه معلـوم
لولاه ما فاحــت أباطح سبتـة *** والنبت حول خبائها معدوم(10)

بالرغم من شهرة عياض، ومكانته العلمية، وجهوده بالتعريف بأعلام المذهب المالكي، فان ما كتب عنه لا يناسب هذه الشهرة(11).
خلف مقطوعات قصيرة في موضوعات مختلفة، منها في: الوصف(12)، التشوق(13)، والحنين إلى الوطن(14) إلا أن أغلب قصائده، جاءت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم والتوسل به.
التوسل لغة: وسل فلان إلى الله وسيلة إذا عمل عملا تقرب به إليه، والواسل الراغب إلى الله... وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل... وفي حديث الأذان: اللهم آت محمدا الوسيلة، هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء، ويتقرب به وقيل هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل هي منزلة من منازل الجنة(15).
التوسل اصطلاحا: يعرفه الفقهاء بأنه الأقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، ويكون بتقوى الله، والإيمان بالرسول، وطاعته، وذكروا صيغه، وأدعيته، يكون التوجه فيها للخالق سبحانه(16)، كما في قول الشاعر:
الهي ترى حالي وفقري وفاقتي *** وأنـت مناجـاة الحقيقة تسمـع
الهي لئـن خيبتني وطـردتني *** فمن ذا الذي أرجو سواك فيدفع
أو يكون بالتوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم كما توسل به السلف كقول أحدهم:
وسيلتي جاه خير الخلق اجمعهم *** محمد المصطفى من خير عدنان
وقد نجد بعض الشعراء يقدمون الأولياء شفعاء إلى الله سبحانه وتعالى:

فجاههم ربي إليك وسيلة *** ففرج همومي كي ينال منالي

وهناك من الشعراء, من يجمع بين تقديمهم، وتقديم الرسول (ص):

بجاههم أسأل الرضوان يشملني *** ممن تعالى عن الأعراض والعلل
بالمصطفى وبهم كل مـؤتمـن *** لك محتسـب في اللـه محتمـل

يمكن تصنيف موضوعات التوسل إلى قسمين رئيسيين: قسم يتصل بالشاعر، يعالج همومه: طلب العفو، والستر، وقضاء الحاجة، وحسن الختام، والأمن من الخوف، ودفع المصائب، والكوارث، وغير ذلك مما يعترض الإنسان في حياته الخاصة، والعامة(17). قسم يتصل بالجماعة التي تحيط بالشاعر، وبمجتمعه، والمسلمين على العموم، كونهم يعانون ما يعانيه، فيلتمس لهم الحفظ، والرعاية، ويدعو الله أن يفرج كروبهم، ويرخص أسعارهم(18).
نعتمد في دراستنا التحليلية, لشعر عياض على خمس قصائد مدحية توسلية، قافيتها المستعملة هي: الراء نصان، واللام نصان، والميم نص واحد، وهي حروف مجهورة، مائعة، فاللام، صوت جانبي ينطق به بأن يتصل طرف اللسان باللثة، والراء صوت تكراري يضرب طرف اللسان في اللثة ضربات متكررة، والميم مخرجه مما بين الشفتين، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية مع الأصوات الثلاثة(19)، ومن تمثيل ابن سينا لهذه الأصوات دلالة على القوة، والاستعلاء(20)، ففي صفة الجهر علو، وقوة، وفي حركة اتصال طرف اللسان، وارتفاع الطبق، والتقاء الشفتين علو، وقوة كذلك(21)، ومن شروط القافية أن تكون مناسبة للمعنى العام، وعند الشعراء أن في اختيار هذه الحروف الثلاثة، دلالة على التراخي، والاستسلام(22)، ومن طبيعة المتوسل أن يبدي ذلك، ويتضرع، ويظهر ندمه على ما بدر منه رجاء شفاعة الرسول المتوسل به، وغفران الخالق(23)، واختيار الشاعر لهذه الأصوات فيها دقة، وانسجامية مع محتوى الخطاب، لإحداث العظمة، والقوة المستعلية، التي بها يوصل إلى التخويف الرادع، وإظهار الندم، وطلب الشفاعة. وفي شعر عياض كذلك، هذه الأصوات الثلاثة أكثر ترددا، من غيرها، كما في قوله:

أنا فقير إلى عفو ومغفـرة *** وأنت أهـل الرضى يا سيد الأمم
فقد آتيتك أرجو منك مكرمة *** وأنت أدرى بما في القلب من ألم

تكررت اللام (6 مرات)، والميم (8 مرات)، والراء (6 مرات)، ومن خلال استقراء القرآن الكريم، وبعض معاجم اللغة العربية تبين أن اللام وردت في المصحف الشريف ( 33022 مرة)، والنون (26526 مرة)، والميم (26135 مرة)، والراء (11793 مرة)، كما وردت الراء بأعلى نسبة في المعاجم الثلاثة (الصحاح، اللسان، والتاج)، ثم النون في اللسان، والتاج(24)، وقد أورد أحد الباحثين في إحصائه لأصوات الجذور العربية جدولا خاصا بعدد تردد الأصوات المائعة، ونسبتها إلى جميع الحروف، عدا أصوات اللين(25). كما نجد في شعر عياض تجانسات حرفية أخرى، مثل الياء في قوله:

يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي *** فالعبد ضيف وضيف الله لم يضم
كئيبا غريبا بافتقــار وضيعة *** ذليلا حقيرا أهمل الفرض والنفل
يا رب يا اللـه يــا سيـدي *** ويا عليـم الغـيــب لم يستتر

تكرر صوت الياء في البيت الأول، سبع (7) مرات، وفي الثاني خمس (5) مرات، وكذلك في البيت الثالث، ويمكن تفسير هذا التكثيف في استعمال هذا الصوت، لمناداة المتوسل به، والاستغاثة به، وذلك بتكرار حرف الياء، وللدلالة على التراخي والاستسلام، والشعور بخيبة الأمل، والعجز، والندم على ما بدر منه رجاء الشفاعة، وكانت الكلمات المستعملة مواكبة لهذا الغرض (كئيبا، غريبا، ذليلا، حقيرا، خيبة، يخسر، خطاي...) وفي ترديد الياء نزوع إلى النداء، واستطالة للآهات، وهي قرائن توضح ما يطبع النص من تعبير عن حالة الحزن التي تغشى الشاعر والمتوسل، والمتوسل، خاصة وأنها وردت ممدودة، وفي الدراسات النفسية اللغوية تدل الكسرة على الصغر، بينما الياء المكسورة الممدودة، فتفيد التضاؤل(26). كما نجد في شعر عياض تجانسات صوتية أخرى مثل تكرار صوت الحاء، ثلاث (3) مرات في قوله:

يا رحمة الله ويا شافعا *** والناس في حشرهم حير

وتكرار صوت الخاء ثلاث (3) مرات في قوله:

إن لم تداركني بلطف *** خسري ويا خيبة من يخسر

والهاء خمس (5) مرات في قوله:

هذا الذي هتفت من قبل مولده *** به الهواتف واشتاقت له المقل

ففي ترديد الرحمة ارتياح، وتردد، وفي ذكر الحشر، والحيرة ألم، وتحسر، أما الخاء فتأتي للتعبير عن الرخاوة، وإبراز العيوب النفسية (خسري، خيبة)، وتفيد الهاء الاهتزاز، والنشاز، والرداءة(27)، وفي كل ذلك توسل بالرسول، والتماس شفاعته في خشوع، وقنوط، تجلى ذلك في غلبة الحروف المهموسة، التي لا تكاد تسمع عند النطق بها، فتكرار نفس الحرف في البيت يبرز الحالة النفسية التي كان عليها الشاعر من شعور بالذنب، وتضاؤل، واحتقار للنفس، واستسلام.
اهتم عياض بالتكرار، والمجانسة في شعره لإحداث تكثيف موسيقي داخل الأبيات، ولتوفير إمكانيات تنغيمية، ودلالية، وهكذا فان التكرار الجناسي متصل بأنسقة خاصة تخضع لاعتبارات دلالية من خلال السياق الذي بنيت فيه(28). وهذه الاعتبارات الدلالية، في شعر عياض متوفرة، منها ما يتصل بنضج الدلالة، واكتمالها من خلال:
إتمام المعنى بالمجانسة، كقوله:

ذخيرتي حبـك يا مصطـفى *** فانـه أفضـل ما يذخــر

وقوله:

هذا الذي هتفت من قبل مولده *** به الهواتف واشتاقت له المقل

وكذلك قوله:

هذا ابن هاشم الساقي الحجيج ندى *** وهاشم الزاد للأضياف أن نزلو

فقد كرر الكلمة في الشطر الثاني (يذخر، الهواتف، هاشم) لإتمام معنى مثيلتها الواردة في الشطر الأول (ذخيرتي، هتفت، هاشم).
أو بيان النوع بالمجانسة، كما في قوله:

هذي قباب، قباب آثار وطئهم *** وذا هو الجزع فابك ذا هو الغار

وقوله:

وقد سعيت إلى أبواب حجرتكم *** سعيا على الرأس لا سعيا على القدم

أو بيان الترتيب كقوله:

باسمك يا رب قرنت اسمه *** فانـه يـذكــر إذ تــذكـر

أو المبالغة:

صفاته العلياء كـل الورى *** عن حصرها والقطر لا يحصر

منها ما يتصل بقيم تعبيرية، وتبدو عندما تحمل المجانسة ظاهرة أسلوبية كالتقابل المادي، والمعنوي الوارد في قوله:

ما هام صب وهمى عارض *** وسار ركـب أو سار عسكـر

فبالإضافة إلى المجانسة بين: (هام، وهمى) و(سار، وسرى) هناك تعادل بين الشطرين وتقابل مادي بين سار، وسرى، ومعنوي بين هام, وهمى.
كذلك ما يتصل بتداعي الدلالة ويتمثل في المجاورة بين التجنيس كقوله:

هذا الذي كسرت كسرى مهابته *** حتى تبين في إيوانـه الميـل

أو السببية في قوله:

محمـد وصاحبــاه الذين بهم *** طبنا وغبنا عن الخسران والندم

أو لبيان الأجلية كما في قوله:

أتى لأم القرى يرجو القرى كرما *** من سادة هم بحار الفضل والكرم

يتبين لنا، من خلال هذه الشواهد أن الشاعر اهتم بالتكرار، والمجانسة لما توفره من إمكانيات تنغيمية، ودلالية وظفها الشاعر لتقوية الجانب الإنشائي في موضوعه عن طريق إثارة العواطف، فالتكرار ظاهرة لغوية لها دلالات متنوعة(29).
بالنسبة للبحور، التي استعملها الشاعر فقد جاءت كالتالي: ثلاث (3) قصائد في البسيط، وقصيدة واحدة في الطويل، وقصيدة في السريع، وقد ربط القدماء، والمحدثون بين موسيقى الشعر ومعناه، فالأعاريض الضخمة الرصينة تصلح لمقاصد الجد كالفخر، ونحوه كعروض الطويل، والبسيط، ويصلح الكامل لجزالة النظم، والرمل، والمديد، لإظهار الشجو، والاكتئاب، يقول حازم القرطاجني: "فالعروض الطويل نجد فيه أبدا بهاء، وقوة، وتجد للبسيط بساطة، وطلاوة، وتجد للكامل جزالة، وحسن اطراد، وللخفيف جزالة، ورشاقة"(30)، وفي دراسة قام بها أحد الباحثين لبحور الشعر العربي في العصر الجاهلي، والقرون الثلاثة الأولى، تبين له أن أكثر البحور استعمالا في الجاهلية هي: طويل وبسيط وكامل ومتقارب(31).
إن وجهة نظر القاضي عياض جديرة بالاعتبار، فهناك هدوء، وتأمل، وبناء، وجمع بين الفكر، والعاطفة، فكانت الأعاريض الطويلة هي الأنسب للتعبير عن هذا كله، بحيث تعطي إمكانيات للحوار مع النفس، والآخرين في حين يعتبر البسيط من أكثر البحور حروفا، وحركات، يتسع فيه المجال لإبراز ممارسات لغوية، كالجناس، والطباق، والتكرار، وهي نماذج ولع بها الشاعر عياض المعروف بإطلاعه الواسع على البلاغة، وهو صاحب: بغية الرائد.
إن البحور الطويلة أكثر استيعابا للتجربة الهادئة المتأملة، يقول إبراهيم أنيس: "وفي الحق أن النظم حين يتم في ساعة الانفعال النفساني يميل عادة إلى تخير البحور القصيرة، وإلى التقليل من الأبيات... أما المدح فليس من الموضوعات التي تنفعل لها النفوس، وتضطرب لها القلوب، وأجدر به أن يكون في قصائد طويلة، وبحور كثيرة المقاطع كالطويل، والكامل..."(32).
كما يستخدم الشاعر وسائل أخرى لتوفير قدر من الموسيقية، والتنغيم لشعره منها المد، الذي يكثر منه، فهو إلى جانب إيقاعه الصوتي، له دلالات معنوية، إذ يفيد التعبير عن الحزن: استطالة الآهات بواسطة النداء، والندبة، والاستغاثة، أو التعبير عن الفخر، والتحمس، ويتم انتقاء الحروف المناسبة للغايتين(33). والقاضي عياض جمع بين الاهتمامين في قصائده، فهناك حزن على ما اقترفه من ذنب، وشعور بعبء ذلك، ومحاولة التغلب عليه بالتوسل من جهة أخرى(34). ويتجلى المد في البيت بشطريه، فغالبا ما يستهله بمقاطع ممدودة.
كما يظهر هذا المد في القافية التي تؤلف في الواقع نفسا شعريا يتخلل المقطوعة كلها، وقد أحكم الشاعر الصلة بين أجزائها سلسلة من الصور المتداخلة المتآلفة، التي تعضدها نغمة القافية المفتوحة، وألفات المد المتكررة: (الطولا، الهولا، الأعلى، الأصلا، النقلا...)، وكذا نغمة القافية المضمومة التي تختم بها قوافي ثلاث قصائد: (أنوار، تختار، أشاروا، أخبار، منبر، يبهر، بدلوا، سألوا، جهلوا...) والمعروف أن جماليات التشكيل الصوتي في القصيدة العربية تعتمد على عناصر صوتية، أهمها، أصوات اللين، مما دفع بعض الباحثين إلى افتراض أن خاصية النبر لا توجد إلا في هذه الأصوات، لأن ثمة تناسبا طرديا بين درجة النبر، وطول الصائت، إذا أخذنا بتفسير النبر على أنه مجهود عضلي، صوتي(35)، فصدى الصوت يبقى مستمرا بعد النطق بالحرف، واعتماد المقاطع الممدودة بهذه الكثافة وفر للنصوص إيقاعا موسيقيا غنيا، نفث الشاعر من خلاله همومه، وأحزانه، وأشواقه للمقام الشريف المقدس، وتجلت رغبة الشاعر في الخروج من سجن الذنب، والشعور بالخطا، والرغبة في التخلص منه، والتطهر من دنسه، ولو تأملنا في بعض الأبيات، وحللنا بعض صورها، لكشف لنا عن تآلف عجيب بين جرس الألفاظ، والدلالة الصوتية للكلمات، هذا الترابط بين القيم الصوتية، والقيم المعنوية في شعر عياض، وغيره من الشعراء يجعلنا من الصعب الفصل بينهما، فنزيد يقينا أن للقافية قيمة معنوية تضاف لوظيفتها الصوتية(36)، ولعل حازم القرطاجني أكثر النقاد العرب تنبها إلى الدور المعنوي، أو الوظيفة الدلالية التي تقوم بها القافية في الشعر(37).
تختلف اللفظة الشعرية عن اللفظة العلمية بكونها لا تعبر عن الدلالة ببرودة، وتجرد، وإنما لا بد أن تتصف بالحيوية، والتعبير، والتبليغ لإحداث التأثير، والإحساس المنشودين في الشعر، لذا وجدنا المعجم الشعري يتداخل، ويستعين بكل ما من شأنه أن يوجد هذا التأثير(38)، واعتبارا لخصوصية التجربة الشعرية، وذاتيتها، وصعوبة التعبير عنها باللفظ العادي، فان الشاعر وضع معجما خاصا به، وتداول مصطلحات قادرة على توصيل شحنات التجربة بعمقها، وأبعادها، وبالرغم من أن هذه المصطلحات متداخلة فيما بينها، فانه يمكن تصنيف المعجم الشعري المستعمل لدى عياض إلى ثلاثة حقول رئيسية:
ما يتصل بالمقام النبوي، والأماكن المقدسة.
ما يتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم.
التوسل بالرسول، أو التعبير عما هو كائن، والتشوق إلى ما يؤمل أن يكون.
1- معجم الأماكن المقدسة: بالرغم من أن الشاعر لم يكتب له أن يزور الأماكن المقدسة، فانه تحدث في شعره عن الرحلة إليها، وعن بعض وسائل السفر، ومصطلحاته كالإبل، والزيارة، والركب، والسقي، وهو تنفيس عن الرغبة في الزيارة، والتشوق إليها.
ركز الشاعر حول مكة باعتبارها محل شعائر الحج، ومسقط رأس الرسول عليه الصلاة والسلام، والمكان الذي نشأ، وشب، وبعث فيه، والمدينة باعتبارها دار الهجرة، ومقر الروضة، والمنبر، ومكان دفنه، كما وردت الإشارة إلى أماكن أخرى مثل: منى، الغار، قباء، وغيرها.
2- معجم خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم: خصص الشاعر القصيدة الرابعة لتسجيل السيرة النبوية، لا للتوسل، كما هو الشأن في القصائد الأخرى، وإذا نحن رجعنا إلى المعجم الخاص بالرسول، ألفيناه مقسما إلى قسمين:
الأول يتعلق بنسبه، وأصوله؛ والثاني بأسمائه، وأوصافه، ومن الأسماء الواردة نذكر على سبيل المثال لا الحصر: آدم، إبراهيم، إسماعيل، عدنان، معد، نزار، مضر، إياس، النضر، مالك، غالب، كعب، عبد مناف، هشام، عبد المطلب، عبد الله، آمنة...
3- معجم التوسل، ويتضمن موضوعين:
التعبير عما هو كائن، والاعتراف بالذنب، والشعور بالخيبة، والخوف من العقاب. الإعراب عما يرجى أن يكون، وطلب الرحمة، والغفران(39).
إن معجم ما يرجى أن يكون يفوق معجم ما هو كائن، أي أن الشاعر اتجه إلى التوسل، وطلب العفو، والشفاعة أكثر من اتجاهه نحو إظهار عيوبه، وذنوبه فكان توسله، توسل متفائل مؤمن بعفو ربه، وشفاعة نبيه المصطفى.
لا تتم الشفاعة، والعفو، والرحمة إلا بإبداء دلائل التوبة النصوح، وبراهينها، لذلك نجد الشاعر يسوق بعضها، ويعتمدها في طلب النجاة، وهذه الدلائل تتمثل في الحجج القرآنية التي أثرت النصوص وأغنتها، وعمقت دلالتها، ولعل الشاعر القاضي عياض - وهو الفقيه المحدث - اعتمد الآيات القرآنية، والآحاديث النبوية الشريفة التي تحث الإنسان على الاستغفار، والتوبة، ولا تخلو أية قصيدة من قصائده من ذلك:
فكن شفيعي لما قدمت من زلل *** ومن خطاي فان الرب غفار
إشارة إلى الآية القرآنية: "فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله"(40).
وفي قول الشاعر:

فلي ذنـوب أثقلـت كاهـلي *** إن لم تكن تغفـر من يغفـر

إشارة إلى الآية القرآنية: "لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا"(41).
وفي قول الشاعر:

أنا فقير إلى عفو ومعفرة *** وأنت أهل الرضا يا سيد الأمم

اقتباس من قوله تعالى: "وأن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم"(42).
ومن الحجج المعتمدة قول الشاعر:

يا مستجيبـا دعوة المبتـلي *** ودعــوة المضطـر إذ يجـأر

دعوتك مضطرا فعجل إجابتي *** بتفريج كرب طالما وصل الهول

إحالة على قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه"(43). وكدا قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان(44).
وقول الشاعر:

فمن خصه الله تعالى اسمـه *** بقـولـه فاصـدع بما تومـر

فقد ضمن فيها قوله تعالى: "فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين"(45).
إن المعجم الوارد في شعر عياض مرتبط إما بالمقام المقدس، أو بالرسول، أو التوسل به، ويواكبه معجم ديني، ويغيب معجم التصوف، إلا أنه لا يخلو من موضوعات، وجوانب يهتم بها الصوفية عموما، خاصة منها ما يتعلق بالتوسل.
وفي الختام، لقد اشتهر عياض بالفقه والسيرة، ولم يكن اختصاصه الشعر، ولكن كانت له مشاركة فيه، وخلف مقطوعات قصيرة، في المدح النبوي، وبذلك يكون من أوائل الذين مدحوا الرسول في الغرب الإسلامي.
إغناء الجانب الصوتي الموسيقي في النصوص باستغلال إمكانيات المد، والتكرار، والمجانسة اللفظية، والحرفية، والمقابلات المعجمية.
غنى المعجم الديني سواء ما تعلق بالإشارات، والمفاهيم الدينية، أو ما تعلق بالمقام النبوي، وأسماء الرسول، وصفاته، وفضائله.
يجب أن ننظر إلى وظيفة المدح النبوي عند الشاعر القاضي عياض، المتمثلة في الرفع من مقام النبوة، ورد الاعتبار إليها في ظرف انتهكت فيه حرمتها من طرف دعاة خارجين عن الدين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شعر التوسل عند القاضي عياض دراسة لغوية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المعارف التجانية :: التصــــــــــــــــــوف :: التصوف الاسلامي-
انتقل الى: