منتدى المعارف التجانية

* تغزوت * ولاية الوادي * الجزائر *
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مشروع خطة شاملة للتراث العربى المخطوط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مراد بن ناصر



عدد المساهمات : 60
نقاط : 0
تاريخ التسجيل : 26/08/2008

مُساهمةموضوع: مشروع خطة شاملة للتراث العربى المخطوط   الخميس 15 يناير 2009 - 20:42

تمهيــد :
انطلاقاً من المبدأ الذى صَاغه حكيمُ الصوفية ابن عطاء الله السكندرى بقوله : لاتصحُّ النهايات إلا بتصحيح البدايات .. يأتى هذا البحث الموجز، كمحاولة لتأسيس العمل التراثى على قواعد راسخة ، هى بمثابة البدايات التى نرى وجوبَ تصحيحها ، بغية ترشيد خُطانا عند الشروع فى خطةٍ شاملة لتطوير العمل فى مجال التراث العربى .
على أنَّ هناك مبدأً صوفياً آخر لايقلُّ أهميةً عن السابق ، يقول : لا يجب الكلام إلا فيما تحته عملٌ .. ومن ثم ، فقد خصَّصتُ القسم الثانى من البحث، للكلام عن تطبيقات عملية فى ميدان العمل التراثى - قمتُ بها منفرداً - فى محاولة متواضعة لتطوير العمل فى مجال التراث العربى (المخطوط منه بخاصة) والانتقال به من النصِّ إلى الخطاب وهى الدعوة التى ناديتُ بها فى ندواتٍ سابقة لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة ، واعتمدها المعهد فى توصياته، منوِّها بضرورتها .
غير أن الكلام فى التطبيقات لابد وأن يسبقه إلماحٌ إلى الأسس النظرية التى نفترض أن تحدِّد ملامح مشروع خطتنا الشاملة ، الرامية للعناية والارتقاء بتراثنا العربى المخطوط . فلنشرعْ فى ذلك ، والله المستعان .
أولاً : الأُطُرُ النَّظَرِيَّـةُ
هناك مجموعةٌ من القواعدِ العامةِ التى تعدُّ فى مُجْملها بمثابة الإطار الذى يحدِّد ملامح الخطة الشاملة للعناية بالتراث المخطوط .. وهذه القواعد يمكن إجمالها فى الآتى :
(أ) التَّدْوينُ شَرْطُ البَقَاءِ
إذا أَمْعَنَّا النظر فى تاريخ الحضارات الإنسانية والشعوب والجماعات، سواءً التى امتدت منها فى الزمان ، أو التى لمعَتْ حيناً من الدَّهر ثم اختفت .. فسوف نجد أن الحضارة المدوِّنة ، هى التى تمتدُ فى الزمن ؛ بينما تختفى الشعوب والجماعات التى لم تكتب ، مع أول تحدٍّ حقيقىٍّ لوجودها .
انظرْ مثلاً للجماعات المندثرة ، من أمثال : الهنود الحمر ، سكان استراليا الأصليين ، الفايكنج - وغيرهم- تجدْ أن هذه الشعوب عاشت حياةً عريضة، ومالبثت أن اختفت بالكلية ، وتلاشى أهلُها ؛ مع ورود حوادث الزمان وتحديات الحضارة .. فصار أمرهم كما قال شاعرنا العربى القديم :
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحجُونِ إلى الصَّفا
أَنيسٌ ، ولم يَسْمُرْ بمَكَّــةَ سَامِـــرُ
والمعروف من دَرْسِ الحضارة أن الشعوب ذات الخبرة الحضارية تمر بمنحنيات ضعفٍ وقوة ، وخمولٍ وازدهار ؛ لكنها لاتضمر سريعاً ، مادام لها كتاب .. فالتدوينُ ذاكرةٌ للحاضر ، وملاذٌ للحاضر والآتى من الأجيال ؛ يعكفون عليه أو يعتكفون عنده ، إذا ما اشتدت عليهم نوائب الزمن .. وتُتوارث فيهم الشخصية الحضارية جيلاً بعد جيل ، حتى إذا ما اختلف الحال وتبدَّلت الظروف، عادت الجماعةُ إلى الإزدهار . وهو ما ينطبق فى عالمنا المعاصر على الصين واليابان، وغيرهما .
وقد يُعترض على ذلك بأن هناك حضاراتٌ كَتبتْ ، وزالت .. كحضارة مصر القديمة ، وحضارة اليونان ! وهو اعتراضٌ مردودٌ بأن هذه الحضارات لم تَزُل، فقد بقى المصريون واليونانيون ، وإنْ انطفأت جذوة التحضُّر فيهم.. وهذه الجذوة لم تنطفاً فجأةً ، ولم تَمُتْ ؛ وإنما انتقلت الخبرةُ الحضارية المصرية إلى بلاد اليونان فظهرت عندهم فى ثوبٍ جديد -والكلام فى ذلك له تفصيلٌ يطول - ثم امتدت الحضارة / الكتابة اليونانية حتى دخلت النسيج السكندرى القديم، الذى دخل فى النسيج السُّريانى .. ودخل الأخير ، وما قبله ؛ فى نسيج التحضُّر العربى الإسلامى .
ومن ناحيةٍ أخرى ، ينبغى لنا أن نتساءل : هل كان للعرب أن يمتدوا فى التاريخ أربعة عشر قرناً من الزمان ، لو ظلُّوا على حالتهم الشفاهية التى اقتصرت فيها ثقافتهم على رواية الأشعار ؟ وهل تواصلوا فى المكان والزمان إلا بعدما صار بأيديهم كتابٌ (سماوى) وأحاديث نبوية مكتوبة ، منها مايدعو صراحة إلى شرط البقاء كما فى الحديث الشريف : دَوِّنوا العلم بالكتاب . وليس العلم فحسب، وإنما فى الأمور التفصيلية اليومية المؤقَّتة ، تأتى الآيةُ القرآنية قائلةً {إِذَا تَدَاينْتُم بِدَينٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبوه} بل {ولا تَسْئموا أن تَكْتُبوه صَغِيراً أو كَبِيراً إلى أَجَلِه..} سورة البقرة ، الآية 282 ، ولو أحصينا ما ورد فى القرآن الكريم من اشتقاقات جذر كَتَبَ لوجدناها وردت تسعة عشر وثلاثمائة مرة ، وهذا لعَمْرى كثير .. فلما كتب العرب صارت لهم ذاكرة تَقيهم الاندثار .
وفى المقابل من ذلك ، نتساءل : هل كان بإمكان اليهود أن يطلُّوا مرةً ثانية برأسهم (إسرائيل) على المشهد الإنسانى العالمى ، لولا أنهم كانوا دائماً على علاقة بالكتابة والكتب ؟ وهل هناك من سِرِّ بقاءٍ لهؤلاء ، مثل كتب : التوراة، التلمود ، المشنا ، نصوص فيلون ، كتابات موسى بن ميمون .. وغير ذلك من حوافظ الذاكرة اليهودية على مرِّ الزمان ؟
نخلص من ذلك ، إذن ، إلى أن الكتابة شرط البقاء للجماعات .. وقد تكون ثمة شروطٌ أخرى ، متنوِّعة ؛ بيد أن الشرطَ المشترك فى كل الحالات، هو التدوين وبقاء النَّصِّ المكتوب بيد الجماعة .
.. ومن هنا ، تأتى ضرورة العناية بذاكرتنا المدوَّنة فى المخطوطات التى لم يُنشر منها إلا نسبةٌ ضئيلة حتى اليوم ، فاحتجبت ذاكرتُنا واحتاجت إلى الترميم.
(ب) الوَصْلُ والفَصْلُ
يرتبط كُلُّ شروعٍ حضارى بالتواصل مع تراثه السابق عليه، بينما تقترن بحالاتِ الركودِ الحضارى عملياتُ ضعفِ الذاكرة العامة . ولهذا نجدُ حركات الإحياء الحضارى -دوماً- مرتبطة بالعودةِ للمنابع الأولى ، ففى بدء الحركة الحضارية لليونان القديمة ، نَهَلَ مفكرُو اليونان وفلاسفتهم من ينابيع التراث المصرى القديم والتراث الفارسى الذى مَثل لهم بوابة الحضارَات الشرقية .. وهناك حالات لاتُحصى ، دالةٌ على عنايةِ أوائل اليونان بالتراث السابق عليهم ، فقد وَفَدَ إلى مصر أول فلاسفة اليونان : طاليس ومن مصر القديمة اقتبس أول مبدأ فلسفى فى حياة اليونان الفكرية ، وهو المبدأ المتمثِّل فى قوله : الوجود بدأ من الماء .. ومن كهنة آمون سوف يتلَّقى فيثاغورث القبس الرياضى والفلسفى الذى مالبث أن صاغه صياغةً مُحكمة ، عنوانها أن الوجود : عددٌ ونغم . وإلى مصر جاء أفلاطون أشهر فيلسوف يونانى ، وتعلَّم أصول الحكمة والرياضيات وأسند بعض ما أورده فى كتبه -مثل كلامه عن قارة اطلانطيس الغارقة - إلى كهنة آمون .
ولما بدأت حركة التحضُّر العربى الإسلامى ، بعد عقود قليلة من النشاط التدوينى فى القرن الثانى الهجرى .. مال العربُ بهمَّتهم إلى النَّهْلِ من منابع العلم اليونانى ، وترجموا كتب أبقراط وجالينوس و أبولونيوس (بلنياس) وأفلاطون و أرسطو والشيخ اليونانى - أفلوطين - وفورفويوس الصورى وديسقوريدُس .. وغيرهم كثيرون ، فى الوقت ذاته الذى نَهَلوا فيه من التراث الشرقى ، فترجموا من الفارسية والسنسكريتية : كلية ودمنه ، كتاب شاناق فى السموم ، الأزياج الفلكية .. وغير ذلك كثير .
وبعدها بقرون ، كان النتاج الحضارى العربى / الإسلامى هو التراث السابق على أوروبا فى لحظة الإحياء الحضارى المعروفة اصطلاحاً بالرينسانس .. وهى اللحظة التى شهدت عناية بالغة بالتراث اليونانى القديم والتراث العربى، وخرجت آنذاك أمهات الكتب اليونانية ، وتُرجمت متون العلم والفكر عن اللغة العربية. وراحت أوروبا بعد هذا الوصل التأسيسى فى صياغة أنموذجها الحضارى الخاص .
وفى المقابل من عمليات الوَصْل الحضارى، تظهر عمليات الفَصْل مع الموروث فى أزمنة التدهور العام لحياة الجماعة .. وهناك شواهد لاتقع تحت الحصر ، تدل على أن الانفصال عن الموروث قرينُ التخلُّف. من ذلك -مثلاً- مانراه فى مجال البحث الطبيعى، من تخلُّف مجال البحث فى البصريات العربية، بعد أربعة قرون من نظريات ابن الهيثم الباهرة فى هذا المجال ، ويُدهش الناظر فى المخطوطات التى عالجت موضوعات البصريات فى القرون الأخيرة من حضارتنا من التدهور المنهجى والمعْرِفى فيها ؛ حتى كأنَّها تعود إلى ماقبل ابن الهيثم بقرون.
ومن الشواهد الأخرى ، مانراه فى تاريخ الطب العربى من انتكاس مَعْرفى يظهر فى متونٍ مثل تذكرة داود وغيرها من النصوص الطبية، التى انقطع فيها التواصل مع التراث الطبى البديع، الذى خلَّفة أمثال علاء الدين القرشى (ابن النفيس) قبل داود الأنطاكى بأربعة قرون .
.. ومن هنا يتضح جلياً أن الانفصال عن الموروث ، يؤدى إلى الانتكاس الحضارى على أغلب الأصعدة ؛ بينما يرتبط الإحياء الحضارى بالتواصل مع التراث وتطويره واستكمال مباحثه . نَاهِيك عمَّا يؤدى إليه ضعف الذاكرة الجمعية من تخبُّط فى حياة الجماعة على صعيدِ الفكر والمنهج والسلوك ، فى الوقت الذى تقوم فيه الذاكرة الجمعية بتأسيس وعى الجماعة بحاضرها، وبالتالى التخطيط الرشيد لمستقبلها .
ولما كانت المخطوطات العربية هى دفتر الذاكرة الحضارية لهذه الأمة، جاءت ضرورةُ العناية بها وأهميةُ التخطيط الشامل للارتقاء بها .
(جـ) التَّجَدُّدُ وإلاَّ التَّبَدُّدُ
يتصلُّ بما سبق مبدأٌ نظرىٌّ آخر ، لايقل عن سابِقَيْه أهميةً؛ هو ضرورة تفعيل التراث بحسب ما يقتضيه الواقع المعاصر . وقد دعوتُ فى بحثٍ سابق إلى النظر إلى الموروث الفكرى والحضارة لأُمَّتنا ، باعتبار أن التراثَ منه ماهو : فاعلٌ وخاملٌ وقاتل .. على أن يكون هذا الاعتبار (ديناميكياً) بمعنى أن التقسيم الثلاثى للتراث ، ينبغى أن تتموضع محتوياته بحسب مقتضيات اللحظة الحضارية الراهنة ، ولاينظر إلى تصنيف المادة التراثية فيه ، على أنه تصنيفٌ دائم ثابت .
وإذا ما تركَّز نظرنا على التراث الفاعل تحديداً ، فلابد من العمل على تجديده وتطوير مباحثه .. مثال ذلك ، فى التراث الصيدلانى الذى اجتمعت فيه خبرةُ العشَّابين والأطباء والحشائشيين عبر القرون الماضية ، وكان جُلُّ اهتمامهم متوجِّهاً إلى النباتات المتوِّفرة فى النطاق الجغرافى لبلادنا - أكثر من اهتمامهم بالنباتات الأخرى - وقد استقصوا الكلام فى أفعال كل مفردة عشبية ، بحسب ما سمح به واقع البحث العلمى فى زمانهم .. وهذه الخبرة ، من دون شك؛ تحتاج إلى تجديدٍ معاصرٍ يقوم على قاعدة استخلاص المادة الفعالة المشار إليها ، واختبارها إكلِينكياً بحسب المعايير المعاصرة ؛ وبذلك يتم التجدُّد المعرفى فى هذا الميدان . وبالطبع، فما ذاك إلا مثالٌ واحدٌ دالٌ على التجدُّد ، ومن وراءه أمثلة أخرى يضيق المقام هنا عن استعراضها .
وبديل التجدُّد هو التبدُّد .. ونعنى به الجمود الحضارى عند القديم، واللهاث وراء هدفٍ مستحيل ، هو اللحاقُ بركبِ التحضُّر الغربى قبل امتلاك مقوماته وإتقان وسائله والقعود عن تأسيس منظومة معرفية مستقلة .
ومن عجبٍ أنَّ آلية التجدُّد كانت حاضرة دوماً فى تراثنا -أعنى فى مراحل عديدة منه- وقد صِيغَتْ فى بحوث وجهود علمية وفكرية ، أدَّت إلى تحولات جذرية فى المنظومة المعرفية على امتداد القرون . كما صِيغَتْ هذه الآلية صياغات منهجية يمكن تلمُّسها -مثلاً- فى مقدمة كتاب المناظر للحسن بن الهيثم، وفى ديباجة موسوعة الشامل للعلاء القرشى (ابن النفيس) .. وقد استوفى الأخير التعبير عن هذه الآلية ، بعبارة بديعة قال فيها :
وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولاً عن المشهور والمتعارف ، فمن قَرَعَ سمعه خلافُ ما عهده فلا يبادرنا بالإنكار ، فذلك طيشٌ . فرُبَّ شَنِعٍ حَقٌّ ، ومألُوفٍ محمودٍ كاذبٌ . والحقُّ حقٌّ فى نفسه ، لا لقول الناس له . ولنذكر قولهم: إذا تساوت الأذهانُ والهِمَمُ ، فمتأخِّر كُلِّ صناعةٍ ، خَيْرٌ مِن متقدمها.
(د) الصُّورَةُ تُضعفُ الكَلِمَةَ
ظلت عملية الاتصال الإنسانى تعتمد على الكلمة ردحاً طويلاً من عمر البشر، مما زاد معه سلطان اللغة على الإنسان، وساد الاعتقاد بسحرية اللغة وقدرتها على الفعل بواسطة اللفظ .. وكأن للكلمة فعلاً بذاتها بصرف النظر عن المتلَّفظ بها ، ومن هنا ارتبطت الكهانة والسحر والعرافة بالكلمة الغامضة المسجوعة الطنانة .
وقد ظهرت فى الحضارات القديمة أشكالٌ متنوعة تعبِّر عن سطوة اللغة وأثر الخطابة . ولم يقتصر ذلك على الثقافة العربية -فقد عُرفت الخطابة فى الحضارات القديمة - بيد أن العرب ارتبطت ثقافتهم باللغة ارتباطاً أشد .. فكان الشعر دوماً ديوان العرب وكانت البلاغة هى المفتاح السحرى لقبول مقولة المتكلم ، ناهيك عن محورية النحو وبقية فنون المقول والمتكلَّم به .
ولما نزل القرآن الكريم ، عربياً مبيناً ؛ ازداد ارتباط العقلية العربية / الإسلامية بالكلمة ، وصار القرآن الكريم هو الركيزة التى انطلقت منها الحضارة العربية الإسلامية خلال القرون الماضية ، ولم يقتصر دور المصحف على تطوير علوم اللغة والدين ، وإنما تعدَّى دورُه الكبير إلى علوم الدنيا ؛ فإذ يوجِّه القرآنُ النظر إلى السماء والنجوم ، يتطور علم الفلك عند المسلمين -ناهيك عن علم المواقيت- وإذ يحرِّم القرآن المسكرات ، ينشأ عند أهل العلم مبحث كامل (الأشربة) لدراسة طبيعة التخمُّر وأثر الأوانى فى التخمير ، وغير ذلك من النقاط المتعلقة بصميم البحث الطبيعى والكيميائى .. وإذ يجرِّم بعض الفقهاء التصوير، ويحرمون التزيين ؛ يخرج الفنان المسلم من هذا المأزق بالقرآن ، يعكف عليه مزخرفاً ، ملوِّناً ، مبدعاً أسمى آيات الفن الإسلامى الذى بدأ من أغلفة المصاحف، ثم تخللها ، ثم تجسَّد فى عمارة المساجد والدور والنوافذ .
وأدَّى ذلك كله إلى المزيد من محورية اللغة فى ثقافتنا ، كما كان الحال فى الثقافات الأخرى أيضاً ؛ بيد أن المسيرة الحضارية للعقلية العربية / الإسلامية أكَّدت الأمر ، فتعاظم سلطان اللغة حتى غدت لها المكانةُ التى نعرفها .
وقد نُظر دوماً إلى اللغة باعتبارها رَسْمَ العالم فالكلمات تؤطر الأشياء وتبرزها، وتضيف إلى الواقعة المعبر عنها أفقاً تخيلياً بعيد المدى .. لكن ثورة الاتصالات المعاصرة ، والوسائل الاتصالية فائقة السرعة والقدرة ؛ أحلَّت الصورة محل الكلمة ، وأسهمت التقنيات الحديثة فى جَعْلِ الصورة هى الوسيلة المثلى للتعبير.. ومن ثم للإدراك ، فصار الإدراك بالصورة هو الأكثر شيوعاً ، وصار سلطان الكلمة إلى ضعفٍ .
ويمكن القول إجمالاً، أن الثقافة المعاصرة هى ثقافة صورة أكثر منها ثقافة كلمة.. ولم يعد الاجتهاد فى التصور بالكلمات مجدياً، مع هذه الطفرة فى تقنيات نقل الصورة وتعوُّد الناس على الإدراك من خلالها . ولذلك ، أزاح التلفزيون الراديو، وتراجعت الكتب التقليدية أمام المجلات ، وتزايدت الاتصالات عبر الإنترنت بعدما استطاعت الشبكة الدولية معالجة الصور ولم تعد تقتصر على المادة المكتوبة .
.. وبعد ؛ فلا نود الإسهاب فى الكلام عن هذه الأسس النظرية ، فحسبنا ما أوردنا منها لتبيان القواعد التى ينبغى -فيما نرى- أن يتم التخطيط المستقبلى فى الميادين الثقافية المختلفة وفقاً لها .. ومن تلك الميادين ما يتعلَّق بتراثنا المخطوط.
ثانياً : التطبيقات العلمية
تأسيساً على ما سبق ، وفى محاولة متواضعة لتطوير العمل فى مجال التراث المخطوط ؛ كانت لنا مجموعة محاولات خلال السنوات الماضية ، هى تحديداً محاولات ثلاث نُلمح إليها فيما يلى :
(أ) الكُتبُ المصوَّرةُ
بحسب ما توفَّر لدينا من تقنيات الطباعة والتصور، الحرص على تطوير الشكل النهائى .. كانت عنايتنا متوجِّهة فى العديد من أعمالنا ، للجمع بين المادة التراثية المخطوطة والصورة ، وهو ما يمكن للناظر فى فهارسنا ملاحظته -حيث أوردنا فى كل فهرس نماذج مصورة من المخطوطات المفهرسة -كما يمكنه ملاحظة الاهتمام الأزيد بالصورة فى كتبنا المصورة مثل (تراثنا المجهول : إطلالة على عالم المخطوطات) الذى حرصت فيه على تقديم ثلاثين مخطوطة نادرة، بصورها ، مع التعريف بمحتواها والإشارة إلى أهميتها . وقد احتلت صورُ المخطوطات مكانةً رئيسة فى هذا الكتاب ، فأغنت بالتالى من مسألة (الوصف المادة للمخطوطة) وأسهمت فى تقريب المادة التراثية إلى القارئ عبر هذا الوسيط عالى الكفاءة : الصورة .
وهناك كثيرٌ من الأعمال المعاصرة - فى غير مجال المخطوطات - توخَّت هذا المطلب وبلغت فيه ذرى النجاح التواصلى ، باستخدام أعلى تقنيات نقل الصور وطباعتها ؛ ومن هذه المحاولات الطبعةُ الأخيرة من موسوعة الدكتور ثروت عكاشة : فنون عصر النهضة (ثلاثة مجلدات) التى كادت صورها أن تغنى تماماً عن مادتها المكتوبة .
(ب) كنوز التراث فى مدن العالم
وهى سلسلة من البرامج المقدَّمة فى أسطوانات مدمجة C.D. تحتوى كل أسطوانة منها على مختارات من أندر النسخ الخطية فى خزانات هذه المدينة أو تلك، وتقديم صورها (طِبْق الأصل) منقولة بنظام التصوير الرقمى -الديجتال- الذى يبرز أدق التفاصيل ، ومصحوبة بمادة تعريفية لكل مخطوطة على حدة ، بالإضافة إلى مداخل عامة ، مصورة ومكتوبة ومتلوُّه -معاً- لإبراز الشخصية التراثية لهذه المدينة .
والصفة الرئيسة لهذه البرامج ، أنها تفاعلية بمعنى أن مستخدم البرنامج يمكنه التحكُّم فى مادته تقديماً وتأخيراً ، والاتجاه مباشرةً نحو جزئية تعنيه أكثر من غيرها، والوقوف برهة ما أمام إحدى الشاشات أو تصفُّحها بسرعة -كما يمكنه طباعة المادة على الورق ؛ مصورة ، ملونة -وكل ذلك لايتيحه الشكل التقليدى للكتاب الذى ساد فى زمن الثقافة الورقية .
وإنجاز الأعمال فى مجال التراث المخطوط على هذا النحو ، يتيح أفضل مستويات التوثيق والوصف والضبط الببليوجرافى للمخطوطات، ويسهم فى توثيق الصلة بين المعاصرين وتراثهم ، فيمدُّ جسراً للتواصل المعرفى -والجمالى- مع الذاكرة المخزنة بين رفوف الخزانات الخطية العتيقة ، وينفضُ عن هذه الأخيرة التراب ويطلُّ عليها من نافذة جذابة الإطار .
(جـ) الإِنْتَرْنِت
الشبكة الدولية (الإنترنت) هى آخر مساعينا للانتقال بالتراث من النص إلى الخطاب ، وللإرتقاء بالعملية التراثية ، وللشروع الواسع الخطى سعياً للنهوض بحال تراثنا المخطوط
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مشروع خطة شاملة للتراث العربى المخطوط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المعارف التجانية :: المخطوطات :: منتدى المخطوطات-
انتقل الى: